ابراهيم بن عمر البقاعي

36

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

فأرشد هذا الخطاب اللطيف كل من ينصح نفسه إلى منافرة هذا العرض الخسيس بأنه إن حصل له يعرض عنه بأن يكون في يده ، لا في قلبه فلا يفرح به بحيث يشغله عن الخير ، بل يجعل عونا على الطاعة وأنه إن منع منه لا يتأسف عليه لتحقق زواله ولرجاء الأول إلى ما عند خالقه الذي ترك ذلك لأجله . ولما ذكر سبحانه وتعالى ما أوجب الإعراض عن هذا العرض فكان السامع جديرا بأن يقول فعلام أقبل ؟ أمر سبحانه وتعالى أقرب الخلق إليه وأعزهم لديه بجوابه لتكون البشارة داعية إلى حبه فقال : قُلْ أي لمن فيه قابلية الإقبال إلينا ، ولما أجرى سبحانه وتعالى هذه البشارة على لسان نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم لتقوم الحجة على العباد بحاله كما تقوم بمقاله من حيث إنه لا يدعو إلى شيء إلا كان أول فاعل له ، ولا ينهى عن شيء إلا كان أول تارك له ، لإيثاره الغائب المسموع من بناء الآخرة على العاجل المشهود من أثر الدنيا كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم لعمر رضي اللّه تعالى عنه حين أشفق عليه من تأثير رمال السرير في جنبه فذكر ما فيه فارس والروم من النعيم : « أو في شك أنت يا ابن الخطاب ؟ أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة ؟ » « 1 » شوق إليها بالاستفهام في قوله : أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ أي الذي ذكر من الشهوات ، وعظمه بأداة البعد وميم الجمع لعظمته عندهم والزيادة في التعظيم ما يرشد إليه ، ثم استأنف بيان هذا الخير بقوله : لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أي اتصفوا بالتقوى فكان مما أثمر لهم اتصافهم بها أن أعرضوا عن هذه الشهوات من حيث إنها شهوات وجعلوها عبادات واقية لهم من عذاب ربهم ، فتلذذوا بالنساء لا لمجرد الشهوة بل لغض البصر من الجانبين وابتغاء ما كتب لهم من الولد إنفاذا لمراد ربهم من تكثير خلائفهم في الأرض للإصلاح ، ولقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة » « 2 » ونحو ذلك ، وفرحوا بالبنين لا لمجرد المكاثرة بل لتعليمهم العلم وحملهم

--> ( 1 ) حسن . أخرجه الترمذي 2377 وابن ماجة 4109 وأحمد 1 / 391 والحاكم 4 / 310 كلهم من حديث ابن مسعود وحسنه الترمذي . وأخرجه الحاكم 4 / 309 - 310 من حديث ابن عباس ، وصححه ووافقه الذهبي وفي الباب عن ابن عمر رووه بألفاظ متقاربة ، والخبر واحد . تنبيه : لفظ . أو في شك أنت يا بن الخطاب . لم أره عندهم . ( 2 ) حسن لشواهده . أخرجه عبد الرزاق 1091 من حديث سعيد بن أبي هلال مرسلا بلفظ : « تناكحوا تكثروا ، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ينكح الرجل الشابة . . . » . وأخرجه الديلمي في الفردوس كما في تلخيص الحبير 3 / 116 وابن مردويه في التفسير كما في الإحياء 2 / 22 كلاهما من حديث ابن عمر بلفظ : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : حجوا تستغنوا ، وسافروا تصحوا ، وتناكحوا تكثروا ، فإني أباهي بكم الأمم » . وذكره ابن حجر في الفتح 9 / 111 وقال : ذكره الشافعي بلاغا عن ابن عمر بلفظ : « تناكحوا . . . » قال ابن حجر في التلخيص : المحمدان ضعيفان . وقال العراقي في الإحياء : وإسناده ضعيف . تنبيه : قد ورد في مسند الفردوس 2663 بلفظ : « حجوا تستغنوا وسافروا تصحوا ، فإني مباه -